رحلة الغزال الأبيض: قصة انقراض وعودة مذهلة للمها العربي
الغزال المها العربي، أو كما يُعرف أيضًا بـ"الغزال الأبيض" أو "الضبي الأبيض"، يُعتبر واحدًا من أشهر رموز الصحراء في الجزيرة العربية، إذ يتميز بجمال لونه الأبيض المائل للفضي وقرونه الطويلة المستقيمة. في منتصف القرن العشرين، واجه هذا الحيوان الأنيق خطر الانقراض الكامل نتيجة الصيد الجائر والتغيرات البيئية الحادة، حتى اعتُقد أنه انقرض من البرية بحلول أوائل السبعينات من القرن الماضي. لكنها قصة أمل وأصرار، حيث شهدت العقود الأخيرة جهودًا مكثفة أسهمت في إنقاذ المها العربي من حافة الهاوية وإعادته إلى موطنه الأصلي.
من الصحراء إلى الانقراض: كيف بدأ التراجع المخيف؟
كان المها العربي ينتشر في صحارى الجزيرة العربية، من الكويت شمالًا وحتى عُمان واليمن جنوبًا، وكان يشتهر بقدرته على تحمّل الجفاف والتنقل لمسافات طويلة بحثًا عن الماء والكلأ. لكن مع ظهور السيارات النارية وازدياد حملات الصيد المنظمة في بدايات القرن العشرين، تعرضت قطعان المها لاستنزاف حاد. كما أدى تغير نمط الحياة في الخليج، وظهور المشاريع الحديثة، وتدهور الغطاء النباتي إلى تراجع عدد المها بشكل دراماتيكي. وبحلول العام 1972، تم تسجيل آخر ظهور للمها العربي في البرية، ما جعل علماء البيئة يدقون ناقوس الخطر.
جهود الإنقاذ: برامج حماية فريدة وإنجازات غير مسبوقة
رغم حجم الكارثة التي حاقت بالمها العربي، لم يستسلم المهتمون بالحياة البرية. بادرت دول مجلس التعاون الخليجي، خاصة المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان والإمارات، بالتعاون مع منظمات دولية مثل الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN) إلى إطلاق برنامج "عودة المها العربي". تم جمع ما تبقى من أفراد المها وتربية صغارها في الأسر بحدائق الحيوان والمحميات، ثم تم إعادة توطينها تدريجيًا في مناطق محمية بعناية فائقة. وقد عملت تلك البرامج على مراقبة صحة المها، ومنع الصيد، وزيادة وعي السكان المحليين بأهميته البيئية.
القائمة الحمراء تتحول: من منقرض في البرية إلى "غير مهدد" بالانقراض
لعل أحد أهم النجاحات البيئية في العقود الأخيرة هو تغيير وضع المها العربي على القائمة الحمراء للأنواع المهددة. ففي عام 2011، ولأول مرة في تاريخ القائمة، تم نقل تصنيف المها من "منقرض في البرية" إلى "غير مهدد بالانقراض"، بعد زيادة أعداده وتزايد قطعانه في محميات الجزيرة العربية. وتشير التقديرات الحديثة إلى وجود أكثر من 1000 رأس من المها في الحياة البرية، فضلًا عن آلاف أخرى يتم تربيتها في الأسر ضمن برامج عالمية للمحافظة على النوع.
حقائق مثيرة عن المها العربي: لماذا هو مميز جدًا؟
الاهتمام بالمها العربي لا يعود فقط لجماله أو لتاريخه، بل لأن له خصائص فريدة جعلته رمزًا بيئيًا وجزءًا من ثقافة الجزيرة العربية. ومن أبرز الحقائق:
- يستطيع المها العيش لأسابيع بدون شرب ماء، ويستخرج الرطوبة اللازمة من النباتات الصحراوية.
- يتنقل ضمن قطعان لحماية نفسه من الحيوانات المفترسة، ويتميز بنظام اجتماعي معقد.
- يستخدم القرون الطويلة والمستقيمة للدفاع والمنافسة بين الذكور.
- يُطلق عليه اسم "المها" نسبة إلى لمعان العينين، وتعني بحسب القواميس العربية "الحسناء".
- ورد ذكره في الشعر العربي القديم، وكان يُضرب به المثل في البياض والجمال والنقاء.
المستقبل والتحديات: هل يظل المها في أمان؟
رغم تحقيق إنجازات غير مسبوقة في حماية المها العربي، إلا أن تحديات كثيرة ما زالت تهدد مستقبله. التوسع العمراني، وتغير المناخ، واحتمال عودة الصيد الجائر، إضافة إلى الحاجة لصيانة المحميات الطبيعية وتأمين مصادر الماء والغذاء، كلها عوامل تتطلب جهودًا متواصلة من الحكومات والمنظمات البيئية. تظل قصة المها العربي ملهمة، ليس فقط لجمالها بل لأنها مثال حقيقي على قدرة الإنسانية على تصحيح أخطائها، وإعادة التوازن للطبيعة عند تضافر الجهود والإصرار على النجاح.