في خضم الأحداث الكبرى التي تجتاح إيران بعد اغتيال المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي في عام 2026، سلطت مجلة فورين بوليسي الضوء على حقيقة أساسية: النظام الإيراني ليس هشًا كما يظن البعض، بل مصمم للصمود حتى في ظل غياب قائده الأعلى. الفكرة التي كانت لدى الأعداء — أن اغتيال المرشد يعني انهيار النظام بسرعة — لم تُتحقق، وذلك لأن بنية الحكم في طهران أُعدت منذ البداية لتكون أكثر من مجرد سلطة مرتبطة بشخص واحد.
تصميم النظام على أساس ثلاثي متوازن
الاستمرارية التي تظهر اليوم ليست صدفة، بل نتيجة هيكلة متعمدة للنظام بعد الثورة الإسلامية عام 1979. منذ سقوط الشاه، أنشأ مؤسس الجمهورية الإسلامية، **آية الله روح الله الخميني، نظامًا يجمع بين الشرعية الدينية والقوة السياسية والأمنية. في قلب هذا البناء يوجد مبدأ ولاية الفقيه الذي يمنح المرشد الأعلى سلطة واسعة على الدولة والدين والجيش، لكنه أيضًا يدمج مؤسسات قوية قادرة على مواصلة العمل إذا غاب القائد.
أركان النظام: مؤسسات ومصادر للسلطة
من بين العناصر الأكثر أهمية في صمود النظام هي مؤسساته الرسمية والشبه رسمية. أهمها:
-
مجلس خبراء القيادة الذي تمليه الدستور لاختيار المرشد الأعلى ومراقبته باستمرار.
-
مجلس صيانة الدستور الذي يضمن التوافق الأيديولوجي للسلطات ويحد من نفوذ المعارضة.
-
القوات الأمنية، وفي مقدمتها الحرس الثوري الإسلامي و”الباسيج“، اللذان يمتدان في عمق المجتمع ويشكلان دعامة أساسية لحماية النظام.
هذه العناصر ليست مصرّة على بقائه فحسب، بل تعمل كشبكة احتياطية يمكنها استيعاب الصدمات إذا تعرضت السلطة العليا للتغيير المفاجئ.
لماذا لا يسقط النظام مع اغتيال القائد؟
السبب يكمن في أن الجمهورية الإسلامية تعتمد على نظام متداخل من العلاقات والوظائف والدوريات المتبادلة بين مؤسسات الدولة. في حين أن المرشد يجمع بين الولاية الدينية والسلطة السياسية، فإن كل مؤسسة أخرى لديها خطط بديلة وتنظيمات جاهزة لتولي المسؤوليات إذا دعت الحاجة. وهذا ما رأيناه مؤخرًا بعد وفاة خامنئي، حيث تم تشكيل مجلس قيادة ثلاثي مؤقت لتولي مهام المرشد وفق الدستور، مكوَّن من الرئيس ورئيس السلطة القضائية وفقيه من مجلس صيانة الدستور.
الدستور والتعديلات: ضمان الاستمرارية
في عام 1989، قبل وفاة الخميني بفترة قصيرة، أدخل النظام تعديلات أساسية على الدستور الإيراني تهدف إلى تقليل الاعتماد على شخصية المرشد كـ marja‘ (مرجع تقليد)، وهو ما كان شرطًا في الأصل، وفتح الباب أمام توجيه القيادة نحو استمرارية أكثر مرونة. هذا التعديل المكّن لاحقًا من انتخاب علي خامنئي نفسه كمرشد بالرغم من افتقاره في البداية إلى أعلى درجات السُلطة الدينية التقليدية.
امتداد السلطة خارج المؤسسات الرسمية
ليس فقط الأجهزة الرسمية هي التي تضمن بقاء النظام؛ بل هناك أيضًا شبكات أيديولوجية وثقافية تعمقت في المجتمع الإيراني عبر عقود. هذه الشبكات لا تدعم فقط الشرعية الدينية، بل تربط الهوية الوطنية مع فكرة أن الجمهورية الإسلامية هي حامية للكرامة والسيادة الإيرانية. هذا المزيج من الأيديولوجيا والهوية جعل من الصعب على أي احتجاجات أو ضغوط خارجية أن تزيح النظام ببساطة، حتى في الأوقات الأكثر اضطرابًا.
التوازن بين الشرعية والقوة: درس جمهوري
مع اغتيال المرشد في عام 2026، نجت الجمهورية الإسلامية من انهيار سريع، ما يدل على أن تصميم الخميني لنظامه السياسي كان قائمًا على أكثر من مجرد شخص. لقد دمج الشرعية الدينية، والقوة الأمنية، والمؤسسات الدستورية في شبكة معقدة، بحيث يمكنها الصمود حتى عند فقدان رأس الهرم. وهذا لا يعني أن النظام غير قابل للتغيير أو النقد — بل يشير إلى أن التحولات السياسية المستقبلية في إيران ستكون نتاج توازن دقيق بين القوى الداخلية والخارجية، وليس نتيجة لحادث واحد فقط.