تبدأ رحلة ثقة الطفل بنفسه من أولى كلماته ونظرات أسرته إليه، لكن ما يغيب عن أذهان الكثير من الآباء والأمهات أن الكلمات العفوية أو الانتقادية التي يكررونها دون وعي، تترك جروحًا عميقة في نفس الطفل. عندما يسمع الطفل عبارات مثل "أنت فاشل" أو "لماذا لست مثل أخيك"، يبدأ في بناء صورة سلبية عن ذاته، ويقارن نفسه بالآخرين باستمرار. الأبحاث تؤكد أن الأطفال الذين يتعرضون للانتقادات المستمرة أو التلميحات الساخرة يعانون ضعف تقدير الذات ويجدون صعوبة في مواجهة التحديات لاحقًا. ليس المطلوب التوقف عن توجيه الأطفال، لكن الحرص على كلمات مشجعة ومحفزة حتى عند الخطأ له أثر مضاعف في بناء شخصية قوية وقادرة على الإنجاز.
الحماية الزائدة: هل تحمي طفلك أم تكسر ثقته؟
يحرص الكثير من الآباء على حماية أطفالهم من المخاطر والتجارب الصعبة، لكن الحماية الزائدة قد تتحول دون قصد إلى سجن يمنع الطفل من تطوير مهاراته الاجتماعية والعاطفية. عندما يتدخل الأهل في كل صغيرة وكبيرة أو يمنعون الطفل من اتخاذ قرارات صغيرة، مثل اختيار ملابسه أو أصدقائه، يشعر الطفل وكأنه غير قادر على تحمل المسؤولية أو مواجهة الحياة. دراسات حديثة أظهرت أن الأطفال الذين ينشأون في ظل الحماية الزائدة يعانون من الخوف المبالغ فيه من الفشل ويجدون صعوبة في اتخاذ القرارات عند البلوغ. الأفضل أن نسمح للطفل بارتكاب الأخطاء والتعلم منها تحت إشرافنا، مع تقديم الدعم عند الحاجة دون تدخل مفرط.
مقارنة الطفل بالآخرين: سم قاتل للثقة
المقارنة داء قديم جديد، فكم من طفل فقد إيمانه بنفسه نتيجة سماعه عبارات مثل "ابن الجيران أشطر منك" أو "أختك حصلت على درجات أعلى". لا يدرك الأب والأم أن المقارنة تدمر الثقة وتزرع بذور الغيرة أو الحقد أو حتى التشكيك في القدرات الذاتية. بالإضافة لذلك، ينسى الأهل أن لكل طفل سرعته الخاصة في التعلم وتطوره الخاص، فما يجيده أحدهم لا يعني بالضرورة أن الأخر يجب أن يجيده بنفس الدرجة أو التوقيت. الحل ليس في المقارنة بل في دعم نقاط القوة لدى كل طفل ومساعدته في تطوير نفسه.
تجاهل مشاعر الطفل: الجرح الصامت الذي لا يُرى
الكثير من الأطفال يعانون من تجاهل مشاعرهم، فقد يبكي الطفل فلا يلتفت إليه أحد أو يشعر بالخوف فيسمع "لا داعي للخوف، أنت كبير!". يشير علماء النفس إلى أن عدم الاعتراف بمشاعر الطفل يدفعه إلى كبت عواطفه ويشعره بأن مشاعره ليست مهمة أو محل تقدير. الطفل الذي يُسمح له بالتعبير عن مشاعره ويجد من يستمع إليه، يصبح أكثر توازنًا نفسيا وقادرا على بناء علاقات صحية لاحقًا. الاستماع الجيد، طرح الأسئلة البسيطة، وتسمية المشاعر للطفل من أهم أساليب تعزيز الثقة بالنفس وخلق بيئة أسرية دافئة.
قائمة الأفعال اليومية التي تشكك الطفل بذاته
هذه بعض التصرفات التي يظن الآباء أنها بسيطة أو غير مؤذية، لكنها في الحقيقة تقتل ثقة الطفل بنفسه:
- تصحيح الطفل باستمرار أمام الآخرين مما يشعره بالإحراج وفقدان الثقة
- إصدار أوامر كثيرة دون مبرر أو شرح,
- التهاون في مدح الإنجازات الصغيرة،
- التقليل من مشاعر الطفل أو السخرية منها،
- منعه من تجربة أشياء جديدة خوفًا من الفشل،
- التسرع في معاقبته وعدم إعطائه فرصة للشرح أو الدفاع عن نفسه.
كل هذه التصرفات تحتاج من الآباء مراجعة دائمة لطريقة معاملتهم لأبنائهم، فالهدف ليس التحكم والسيطرة بل بناء شخصية مستقلة ومتوازنة.
خطوات عملية لتعزيز ثقة الطفل بنفسه: الأمل دائماً موجود
لكل أب وأم يشعرون بالقلق بعد معرفة ما سبق، هناك فرصة دائما لإعادة بناء ثقة الطفل بنفسه. أول خطوة هي الاعتذار عن الأخطاء السابقة والحديث مع الطفل بوضوح عن نية التغيير. احرص على تشجيع الطفل كلما حاول أو بذل جهدًا، وليس فقط عندما ينجح. دعه يشعر بأن اختياراته محل احترام وتقدير، مهما كانت بسيطة. كن مستمعًا جيدًا، وخصص وقتًا للحديث اليومي حتى عن أدق التفاصيل. اجعل من الخطأ فرصة للتعلم لا للعقاب، واشرح له أن الفشل جزء من طريق النجاح. هكذا، تعيد الأسرة زرع بذور الثقة بالنفس وتمنح الطفل جناحي النجاح والتحليق في سماء الحياة.