أعلن موقع يوتيوب مؤخرًا عن إدخال قيود جديدة على أعمار المشاهدين للبث المباشر، ستدخل حيّز التنفيذ الشهر المقبل في خطوة تصفها الشركة بأنها ترمي إلى حماية الفئات العمرية الأصغر سنًا من المحتوى غير المناسب، وتحسين الجودة العامة لتجربة المستخدم عبر المنصة. وتأتي هذه التغييرات كجزء من سياسة يوتيوب المستمرة لتطوير بيئة أكثر أمانًا ومسؤولية للمشاهدين والمبدعين على حد سواء.
من المعروف أن يوتيوب يُعد واحدًا من أكثر المنصات شعبية في العالم، حيث يتوجه الملايين يوميًا لمتابعة مقاطع الفيديو القصيرة والطويلة، بالإضافة إلى البثوث المباشرة التي تشهد في السنوات الأخيرة إقبالًا متزايدًا خصوصًا بين المراهقين والشباب. إلا أن هذا التزايد في الاستخدام أثار مخاوف عدة تتعلق بتعرض فئات عمرية صغيرة لمحتوى قد لا يتناسب مع سنهم.
القيود الجديدة تستهدف تحديدًا خاصية البث المباشر، وهي ميزة تمكن منشئي المحتوى من التواصل مع جمهورهم في الوقت الفعلي. ووفقًا للتحديثات، سيُسمح فقط للمستخدمين الذين تجاوزوا سن 18 عامًا بمشاهدة بعض أنواع البث المباشر، وخاصة تلك المصنفة لمحتوى حساس أو موضوعات للكبار فقط. وتوضح الشركة أن خوارزمياتها باتت أكثر دقة في رصد المحتوى وتحديد الفئة العمرية المناسبة له.
يسعى يوتيوب عبر هذه الخطوة إلى تقليص إمكانية وصول القاصرين إلى البثوث التي تتناول موضوعات قد تتسم بالعنف أو ألفاظ غير لائقة، أو مشاهد لا تتفق مع المرحلة العمرية للمشاهدين الأصغر سنًا. بالإضافة إلى ذلك، سيتم فرض رقابة صارمة على أي محاولات للتحايل على القيود، حيث سيتم استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي وآليات التحقق من الهوية للحد من أي خروقات.
وفي إطار متصل، أكد متحدث باسم يوتيوب أن المنصة ستمنح صانعي المحتوى مرشدات واضحة لتحديد الفئات المستهدفة من البث المباشر. وسيكون على منشئي البث المباشر تصنيف محتواهم بشكل مسبق وتحديد ما إذا كان مناسبًا للمشاهدين صغار السن أو يتطلب قيودًا عمرية. كما سيتم تنبيه القنوات التي لا تلتزم بذلك، وقد تواجه في بعض الحالات حظرًا من استخدام ميزة البث المباشر.
تثير هذه التغييرات الجديدة مجموعة من التساؤلات حول تأثيرها على المبدعين والمشاهدين على حد سواء. فمن جهة، يرى البعض أن تشديد القيود قد يعوق حرية التعبير لمنشئي المحتوى الكبار الذين يناقشون موضوعات هامة لم يكن بالإمكان طرحها سابقًا بسبب عدم وجود تصنيفات عمرية مرنة. ومن جهة أخرى، يرحب كثير من أولياء الأمور بهذه الخطوة، حيث تعزز الرقابة المخصصة شعورهم بالأمان فيما يخص المحتوى الذي يتعرض له أبناؤهم على الإنترنت.
يجدر بالذكر أن يوتيوب لم يعتمد في السابق قيودًا صارمة على عمر المشاهد للبث المباشر، إذ كان بإمكان أي مستخدم الدخول ومشاهدة البث دون الحاجة لإثبات سن معين، باستثناء بعض الحالات التي يُفرض فيها التحقق بسبب محتوى محدد. لكن التطورات الأخيرة دفعت الشركة إلى مراجعة سياساتها، خاصة بعد شكاوى متكررة من تعرض قاصرين لمحتوى لا يناسب أعمارهم أثناء البث المباشر.
بالإضافة إلى ذلك، يعمل يوتيوب على إتاحة أدوات جديدة للآباء تضمن تحكمًا أكبر في ما يشاهده أطفالهم، حيث سيتمكنون من تحديد الحسابات والأعمار المسموح لها بمشاهدة أنواع محددة من البث المباشر أو حتى تقييد خاصية البث نهائيًا إذا لزم الأمر. وتأتي هذه الإجراءات في سياق عام يشهد فيه العالم المزيد من التشريعات ذات الصلة بحماية الأطفال على الإنترنت.
من الأمور المثيرة للاهتمام أن يوتيوب سيعتمد بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي للتعرف تلقائيًا على البثوث التي يجب تصنيفها تحت فئة "للكبار فقط"، وذلك عبر تحليل النصوص المستخدمة أثناء البث، والمحتوى المرئي، وبيانات الدردشة المنبثقة في الوقت الحقيقي. كما سيتابع يوتيوب البلاغات المقدمة من المستخدمين بشأن أي مخالفة أو محتوى غير لائق يظهر أثناء البث.
ربما تفرض هذه السياسات الجديدة تحديات عملية على منشئي المحتوى الذين يعتمدون على جمهور متنوع الأعمار ويخافون من تراجع عدد متابعيهم. إلا أن يوتيوب يعدهم بأن عملية تصنيف البث وتحديد الأعمار ستسير بسلاسة وسترافقها آليات دعم فني لتوضيح أي لبس أو خطأ في تحديد الفئة العمرية.
ومن الجدير أيضًا أن نشير إلى أن هذه الإجراءات لا تؤثر فقط على منشئي المحتوى المستقلين، بل تطال أيضًا المؤسسات الإعلامية، والجهات التربوية، بل وحتى الحملات الخيرية التي تستخدم البث المباشر لجمع التبرعات والتواصل مع الجمهور. لذا سيكون على الجميع مراجعة سياساتهم الداخلية، والتأكد من التزامهم بالمعايير والتحقق من الفئة العمرية للجمهور المستهدف.
في النهاية، يبقى الهدف الأكبر بالنسبة ليوتيوب هو تحقيق توازن بين حرية التعبير وحماية الفئات الأضعف على المنصة. وإذا نجحت الآلية الجديدة، فقد تصبح نموذجًا تحتذي به منصات أخرى حول العالم. ويبقى السؤال الأهم: هل ستنجح هذه الخطوة في الحد فعلاً من مشكلات التعرض للمحتوى غير المناسب، أم أنها ستكون مجرد خطوة شكلية؟ وحده الزمن وتجارب المستخدمين والبيانات المقبلة ستكشف عن الإجابة.