طائرات الهيدروجين: ثورة صديقة للبيئة تلوح في أفق الطيران
بينما يركز العالم على أزمة التغير المناخي والتقليل من الانبعاثات الكربونية، بدأت أعين شركات الطيران تتجه نحو حل ثوري قد ينقذ الصناعة بالكامل: طائرات الهيدروجين. هذه التكنولوجيا التي بدت يومًا فكرة خيالية، أصبحت اليوم تقترب من أسواق الواقع بدعم شركات عملاقة مثل إيرباص وبوينغ، وسعي حكومات كبرى لدعم المشاريع الصديقة للبيئة، خاصة بعد زيادة الضغوط الدولية على قطاع الطيران بوصفه أحد أكثر مصادر الانبعاثات كثافة.
كيف تعمل طائرات الهيدروجين؟ التكنولوجيا تروي الحكاية
تعتمد طائرات الهيدروجين على نوعين رئيسيين من التكنولوجيا: خلايا الوقود التي تحول الهيدروجين السائل إلى طاقة كهربائية لتشغيل المحركات الكهربائية، والنوع الثاني يستخدم حرق الهيدروجين مباشرة في محركات الاحتراق الداخلي. الفرق الأساسي بينهما أن خلايا الوقود تنتج فقط بخار الماء كناتج ثانوي، بينما يولد الحرق المباشر كمية ضئيلة من أكاسيد النيتروجين لكنها تظل أقل بكثير من الوقود التقليدي. وتكمن الجاذبية برأي العلماء في أن الطيران بالهيدروجين يمكنه تقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة قد تصل حتى 90%، إذا ما قارناها بالوقود الأحفوري المستخدم حاليًا.
إيجابيات طائرات الهيدروجين: قفزة بيئية واعدة
يمثل الهيدروجين خيارًا مثاليًا للطيران لعدة أسباب، من بينها كونه أخف طاقة بالنسبة للوزن مقارنة بالبطاريات، إضافة إلى إمكانية إنتاجه من مصادر متجددة كالماء والطاقة الشمسية. نستعرض هنا بعض الميزات الرئيسية التي تجعل هذه التقنية واعدة:
- انبعاثات صفرية تقريبًا: بخار الماء هو الناتج الثانوي الرئيسي.
- تقليل التلوث الضوضائي: خاصة في الطائرات المزودة بمحركات كهربائية.
- تسريع الانتقال للطاقة النظيفة في النقل التجاري والجوي مستقبلاً.
- تشغيل اقتصادي طويل الأمد، بعد تجاوز تحديات البنية التحتية الأولية. هذه المزايا دفعت العديد من حكومات العالم إلى تمويل مشاريع بحثية بملايين الدولارات لتطوير طائرات الهيدروجين والتسريع بإطلاقها للأسواق.
التحديات: معوقات أمام إقلاع حلم الهيدروجين
رغم الآمال العالية، هناك تحديات واضحة تواجه التطوير الفعلي والتبني التجاري لطائرات الهيدروجين. أبرز هذه التحديات تخزين الهيدروجين نفسه، إذ يحتاج لدرجات حرارة منخفضة جدًا ليظل سائلاً أو لضغط مرتفع في حالته الغازية، مما يزيد من تعقيد تصميم خزانات الوقود. كما أن البنية التحتية اللازمة لتزويد المطارات بالهيدروجين غير متوفرة على نطاق واسع، ويستلزم تطويرها استثمارات ضخمة. إضافة إلى أن الهيدروجين الأخضر، أي المنتج بالطاقة المتجددة، لا يشكل حاليًا سوى نسبة صغيرة جدًا من إجمالي إنتاج الهيدروجين العالمي الذي يغلب عليه الهيدروجين الرمادي المنتج من الغاز الطبيعي والانبعاث الكربوني.
المستقبل القريب: متى سنحلق بطائرات الهيدروجين؟
أعلنت شركات أوروبية وعالمية بالفعل عن نماذج اختبارية ناجحة لطائرات ركاب صغيرة ومتوسطة تعتمد خلايا وقود الهيدروجين، مثل طائرة ZeroAvia التي أجرت أول رحلة تجريبية عام 2023 في بريطانيا. وأعلنت إيرباص عن عزمها إطلاق أول طائرة هيدروجين تجارية بحلول عام 2035، بينما تعمل شركات ناشئة أخرى على تطوير محركات يمكنها تشغيل طائرات إقليمية يصل مداها إلى 2000 كم. ومع دخول استراتيجيات الهيدروجين حيز التنفيذ في أوروبا والولايات المتحدة، يعتقد الخبراء أن أولى الرحلات التجارية بالطائرات الصديقة للبيئة قد تظهر خلال العقد القادم، خاصة مع الدعم المتزايد من الحكومات والشركات للطيران منخفض الانبعاثات.
هل الهيدروجين هو الحل السحري للطيران المستدام؟
رغم أن طائرات الهيدروجين تُعد من أكثر الحلول الواعدة لتحويل السفر الجوي إلى صناعة صديقة للبيئة، إلا أن الخبراء يشددون على أن الحلول ستكون متعددة وليست واحدة فقط. فتحسين كفاءة الطائرات الحالية، واستخدام الوقود الحيوي، وتطوير أنظمة دفع كهربائية كلها عناصر ستتكامل مع تقنيات الهيدروجين. ما يمكن قوله بثقة الآن، أن الهيدروجين يحمل وعدًا حقيقيًا ومستقبلاً مشرقًا للطيران النظيف، وسيظل سباق الوقت هو الفيصل بين التحديات والابتكار في سماء العالم.