تشير تقارير حديثة إلى أن ميليشيا الحوثي (حركة أنصار الله) في شمال اليمن تسببت في حالة شبه انهيار للعمل الإنساني في مناطق سيطرتها، بعد أن فرضت قيودًا أمنية وإدارية صارمة على المنظمات الدولية والمحلية، مما أدى إلى انسحاب عدد كبير منها وتراجع كبير في المساعدات المقدَّمة للسكان المحتاجين.
من خلال تحكمها في عملية توزيع المساعدات وإصدار التصاريح، أجبرت السلطات الحوثية بعض المنظمات على الامتثال للمطالب التي تضعها، ومنها إعادة توجيه المساعدات المالية والعينية إلى قوائم المستفيدين التي تحددها هي بدلًا من الجهات المانحة، مما أفقد تلك المنظمات استقلاليتها وفعاليتها. كما عرقلوا دخول المساعدات إلى مناطق تحتاجها بشدة، ما أدى في بعض الحالات إلى وفاة نازحين داخل مخيمات بسبب تعليق وصول المواد الأساسية مثل الملابس ومستلزمات النظافة.
أحد الأمثلة التي وردت في التقارير ما واجهته «أمينة»، مؤسسة جمعية محلية، عندما طالبت الحوثيين بعدم إعادة توزيع المساعدات على أسر لا تتطابق مع قوائم الجهات المانحة، ليتم سحب التمويل في النهاية وعدم حصول أي من الأسر المستهدفة على دعمها. كما اضطرت جمعيات أخرى إلى تقليص مشاريعها من 13 مشروعًا إلى مشروع واحد فقط بسبب الإجراءات الصارمة والعراقيل البيروقراطية المفروضة.
ومن جهة أخرى، تحدث المدير السابق لمنظمة محلية عن عرض الحوثيين توفير تمويل جديد مقابل أن تعمل المنظمة لصالح أهدافهم، وهو ما رفضه خشية أن يُستخدم كأداة دعائية لتلميع سجل الجماعة على حساب حقوق اليمنيين. بعد الرفض، تعرضت المنظمة لملاحقات ومصادرة ممتلكاتها.
الإشكالية لم تقتصر على العاملين المحليين فحسب؛ فقد أفادت الأمم المتحدة بأن 73 من موظفيها محتجزون لدى الحوثيين اعتباطيًا، مما أثر بشكل كبير على عملياتها الإنسانية في شمال اليمن، بحسب توم فليتشر، وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية. وقد توفي بعض العاملين أثناء الاحتجاز، حسب شهادات مشاركين في التقارير.
هذه التطورات جاءت في ظل انسحاب عدد من المنظمات الكبرى مثل برنامج الأغذية العالمي ومنظمة «أنقذوا الأطفال» ولجنة الإنقاذ الدولية من شمال اليمن خلال عام 2025، جزئيًا نتيجة التدهور الأمني والسياسي في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين. وقد أدى انسحاب المانحين الأمريكيين بعد تصنيف الحركة إرهابية في 2025 إلى تراجع التمويل بصورة حادة، مما جعل استمرار بعض البرامج الإنسانية أمرًا شبه مستحيل.
نتيجة لذلك، تحذر منظمات دولية مثل أوكسفام من تدهور خطير للوضع الإنساني في شمال اليمن، وتدعو إلى تحرك دولي منسق لتوفير المساعدات ومنع الانزلاق نحو أزمة كارثية قد تترك ملايين اليمنيين دون دعم في واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم.
باختصار، يواجه العمل الإنساني في اليمن تحديات مركَّبة نتيجة سيطرة الحوثيين التي وسّعت من قيودها الأمنية والبيروقراطية وفرضت متطلبات تسيطر من خلالها على الموارد والإجراءات الميدانية، مما دفع كثيرًا من المنظمات إلى التوقف أو الانسحاب وفقدان جزء كبير من الدعم الحيوي لمن هم في أمس الحاجة إليه.