السلحفاة الجلدية: العملاق الهادئ للمحيطات
تسكن السلحفاة الجلدية الظهر المحيطات الاستوائية وشبه الاستوائية حول العالم، وتعد أضخم أنواع السلاحف البحرية وأكثرها تميزًا، فهي قادرة على قطع آلاف الكيلومترات عبر البحار والمحيطات. يبلغ طول السلحفاة المكتملة النمو أكثر من مترين ويصل وزنها إلى 900 كيلوغرام تقريبًا، مما يجعلها واحدة من أثقل الزواحف على الإطلاق. ما يميزها عن غيرها من السلاحف، أن قوقعتها ليست صلبة أو مغطاة بقشور بل بطبقة جلدية سميكة مطاطية مزينة بسبعة خطوط طولية، ومن هنا جاء اسمها.
كيف تختلف السلحفاة الجلدية عن باقي السلاحف البحرية؟
يكمن الاختلاف الصارخ بين السلحفاة الجلدية وأنواع السلاحف البحرية الأخرى في بنيتها الفريدة. ففي الوقت الذي تعتمد فيه باقي السلاحف على قواقع عظمية صلبة للحماية، تعتمد السلحفاة الجلدية على ظهرها الجلدي الذي يمنحها مرونة عالية أثناء السباحة ويقلل من مقاومتها للماء. تتمتع هذه السلاحف بقدرة هائلة على الغوص لأعماق تصل إلى 1200 متر، في حين لا تتجاوز معظم السلاحف البحرية الأخرى 50 مترًا. كما أن نظامها الغذائي يتركز بشكل أساسي على قناديل البحر، ما يجعلها لاعبًا هامًا في توازن النظام البيئي البحري.
دورة حياتها الغامضة: من الشواطئ إلى المحيطات الواسعة
تبدأ رحلة حياة السلحفاة الجلدية عندما تضع الأنثى بيضها على الشواطئ الرملية الدافئة حول العالم. تفضل عادة الشواطئ الرملية النائية، وتعود إلى نفس الشاطئ الذي فُقس فيه بيضها قبل سنوات. تضع الأنثى مئات البيوض في الحفرة، ثم تعود إلى الماء تاركةً الصغار ليواجهوا مصيرهم. بعد الفقس، يسارع الصغار نحو البحر، ويواجهون مخاطر عديدة من مفترسات برية وبحرية قبل أن يصل عدد قليل منهم فقط لمرحلة البلوغ.
ويقدر العلماء أن واحدًا فقط من كل ألف صغير يتمكن من النجاة حتى سن البلوغ، لذا فإن عامل التهديد لأي مرحلة من مراحل حياتها قد يؤدي إلى عواقب وخيمة على الأعداد المستقبلية لهذا النوع.
تهديدات عديدة جعلتها على قائمة الانقراض
تعاني السلحفاة الجلدية من تهديدات عديدة وضعتها على قوائم الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة ضمن الأنواع المهددة بالانقراض. من أبرز هذه التهديدات:
- جمع بيضها بشكل غير قانوني في العديد من دول العالم بسبب الاعتقاد بمنافعه الطبية أو قيمته الغذائية
- الاصطدام بشباك الصيد الضخمة وفقدان الكثير منها نتيجة التعرض للصيد العرضي
- تلوث البحار بالبلاستيك، إذ تبتلع السلاحف الأكياس البلاستيكية عن طريق الخطأ معتقدة أنها قناديل البحر
- التغير المناخي وارتفاع درجات حرارة الشواطئ الذي يؤثر على نسب الذكور والإناث بين الصغار
هذه الأخطار مجتمعة أدت إلى انخفاض أعدادها بشكل ملحوظ في العقود الأخيرة، خصوصًا في مناطق المحيط الهادئ وجنوب شرق آسيا.
جهود دولية وابتكارات لحماية السلحفاة الجلدية
في السنوات الأخيرة، تكاتفت العديد من المنظمات البيئية والحكومات من أجل حماية السلحفاة الجلدية. تم وضع مناطق كبيرة من الشواطئ المشهورة بتعشيشها تحت الحماية، كما تم تدريب الصيادين على استخدام شباك خاصة تقلل من حالات صيد السلاحف العرضي. وتكثف المؤسسات العالمية برامج توعية للسكان المحليين لعدم جمع البيض أو المتاجرة به.
كما اتجهت بعض الدول لتجربة تقنيات جديدة مثل استخدام الحواجز الإلكترونية وأساليب الإضاءة للحد من الزحف إلى المناطق غير الآمنة. وتبذل جهود مستمرة حتى على مستوى الأبحاث العلمية لفهم تأثير التغير المناخي على مستقبل هذا النوع وكيفية التخفيف من آثاره.
حقائق مدهشة عن السلحفاة الجلدية
لا تقتصر السلحفاة الجلدية على ضخامتها فقط، بل تملك سجلًا من الحقائق المثيرة للاهتمام:
- يمكنها أن تسبح بسرعة تصل إلى 35 كيلومترًا في الساعة عند الشعور بالخطر
- قادرة على تحمل درجات حرارة منخفضة جدًا في الأعماق بفضل نظامها الدموي الخاص
- تعتبر من أكثر المهاجرين بين الكائنات البحرية، إذ تقطع مسافات تفوق 10,000 كيلومتر خلال مواسم التزاوج
- تلعب دورًا بيئيًا مهمًا في مكافحة ازدياد أعداد قناديل البحر
وجود هذه السلحفاة العملاقة في البحار رمزٌ للتوازن البيئي، وهي اليوم بحاجة ماسّة للدعم والتوعية لضمان بقائها للأجيال القادمة.