ليس مجرد شعور شخصي أو مبالغة، بل أثبتت دراسات متعددة أن النساء غالبًا ما يعانين من ألم يستمر لفترة أطول وأكثر حدة من الرجال، والسبب وراء ذلك ليس اجتماعيًا فحسب، بل يعود إلى عوامل بيولوجية وجسدية واضحة.
أحد أهم الأسباب التي كشفها بحث حديث يتعلق بآليات الشعور بالألم هو الاختلاف في نشاط الخلايا المناعية بين الرجال والنساء. هذه الخلايا، المعروفة باسم مونوسيتس، تساعد في إيقاف الإشارة العصبية للألم وتسرّع عملية الشفاء. في الرجال، تساعد الهرمونات مثل التستوستيرون هذه الخلايا على إنتاج جزيئات تعمل كـ “مفتاح لإيقاف الألم” بشكل أسرع، بينما في النساء يكون نشاط هذه الخلايا أقل، مما يؤدي إلى تأخر في انطفاء الإحساس بالألم واحتدامه لفترة أطول.
هذه الحقيقة من منظور علم الأعصاب تجعل النساء أكثر عرضة للألم المزمن مقارنة بالرجال، وهو ألم يستمر بعد المدة المتوقعة للشفاء من إصابة أو التهاب، وهو أمر يتكرر في أمراض كثيرة مثل الصداع النصفي والالتهابات المزمنة والتهاب المفاصل. في دراسات واسعة على آلاف المشاركين، وجد أن النساء أبلغن بنسبة أكبر عن ألم شديد ومستمر يؤثر على جودة حياتهن اليومية أكثر من الرجال.
الهرمونات نفسها تلعب دورًا مهمًا ليس فقط في شدة الإحساس بالألم، بل في تنظيم كيفية استجابة الجسم له. تختلف مستويات الهرمونات مثل الإستروجين والبروجسترون خلال دورة المرأة الشهرية أو في فترات مثل الحمل والطمث، وهذه التغيرات يمكن أن تؤثر على كيفية إرسال الدماغ والإعصاب لإشارات الألم واختفائها، مما يجعل الألم عند النساء متقلبًا وأطول مدة في بعض الأحيان.
إضافة إلى الاختلافات البيولوجية، هناك عامل آخر يتعلق بمسألة إدراك الألم وتعبيره. أظهرت أبحاث أن الرجال والنساء قد يعبرون عن خبراتهم مع الألم بشكل مختلف نتيجة تأثيرات ثقافية ونفسية، وهذا يمكن أن يجعل الألم عند النساء يبدو أكثر استمرارًا أو تأثيرًا، وهو ما يتداخل مع العوامل الجسدية في توضيح الفروق بين الجنسين.
هذه الفروق لا تقتصر على مدى الألم فحسب، بل تظهر أيضًا في دواء الألم نفسه. أبحاث من جامعات مختلفة وجدت أن بعض مسكنات الألم أقل فعالية لدى النساء من الرجال، الأمر الذي يتطلب جرعات أو استراتيجيات علاج مختلفة في بعض الحالات — ما يسلّط الضوء على أهمية أن العلاج يتم تصميمه بحسب الجنس أيضًا وليس بشكل عام فقط.
في النهاية، ما تظهره الأبحاث هو أن النساء لا يتعرضن للألم بشكل أعلى فحسب، بل آلامهن غالبًا ما تدوم لفترة أطول لسبب بيولوجي حقيقي وليس مجرد أفكار شائعة أو تجربة عابرة. فهم هذه الفروق يساعد في تطوير استراتيجيات أفضل لإدارة الألم لدى النساء وتحسين جودة حياتهن بشكل كبير.