حذرت منظمة الصحة العالمية مؤخراً من خطر تفشي فيروس شيكونجونيا على مستوى عالمي، مشيرة إلى أنّ حوالى 5.6 مليار شخص باتوا معرّضين لخطر الإصابة بهذا المرض الفيروسي المنقول عبر البعوض. هذا التحذير يأتي في وقتٍ بدأ فيه الفيروس يجد طريقه إلى مناطق جديدة، منها دول أوروبية لم تكن في السابق مُدرجة ضمن المناطق المعروفة بانتشار شيكونجونيا.
ينتقل الفيروس عن طريق لسعات بعوض "الإيديس" المشهور بنشاطه في المناطق الحضرية وشبه الحضرية. وقد أطلقت منظمة الصحة العالمية جرس الإنذار بعد تسجيل ارتفاع حاد في حالات العدوى خلال السنوات الأخيرة، إذ تضاعف عدد الإصابات مقارنة بالعقد الماضي في عدة قارات.
من الجدير بالذكر أن شيكونجونيا كان حتى وقت قريب يُعتبر مرضاً يقتصر انتشاره على أجزاء من أفريقيا وجنوب شرق آسيا وجزر في المحيط الهادئ، لكنه أصبح الآن يمثل تهديداً في القارة الأوروبية، بعد تقارير مؤكدة عن إصابات في بلدان كفرنسا، وإيطاليا، وإسبانيا. هذا التحول الجغرافي للفيروس يعكس أثر تغيرات المناخ في توسيع نطاق انتشار الحشرات الناقلة للأمراض.
الفيروس يسبّب حمى شديدة وآلاماً حادة في المفاصل، قد تستمر لدى بعض المصابين لأشهر عديدة، إضافة إلى الطفح الجلدي والصداع والإرهاق العام. وعلى الرغم من أنّ شيكونجونيا نادراً ما يؤدي إلى الوفاة، إلا أن تأثيراته الصحية طويلة الأمد تجعل من مكافحته أولوية للصحة العامة.
منظمة الصحة العالمية أوضحت أن النسبة الكبرى من سكان العالم باتت معرضة لخطر انتقال الفيروس إليهم عبر السفر أو تغير تواجد البعوض الناقل للعدوى. وقد أشارت البيانات إلى أن العوامل البيئية والمناخية، مثل ارتفاع درجات الحرارة وزيادة هطول الأمطار، تساهم في توسيع نطاق توطن البعوض في مناطق جديدة.
من الأسباب التي تثير القلق أيضاً أن أعراض شيكونجونيا تتشابه مع أمراض فيروسية أخرى كالضنك والزيكا، ما يزيد من صعوبة التشخيص السريع والدقيق للحالات المصابة. ويعتمد الأطباء غالباً على اختبارات الدم لتأكيد العدوى.
وفي الوقت الحالي، لا يوجد لقاح معتمد على نطاق واسع للوقاية من شيكونجونيا، كما لا تتوافر علاجات محددة للفيروس، بل تقتصر الرعاية الطبية على تخفيف الأعراض عبر الأدوية المسكنة للآلام وخفض الحمى.
أما عن الإجراءات الوقائية، توصي السلطات الصحية باتخاذ تدابير لحماية الأفراد من لسعات البعوض عبر استخدام المستحضرات الطاردة للحشرات، وارتداء الملابس الطويلة، وتغطية الأبواب والنوافذ بشبكات دقيقة تمنع دخول البعوض للمنازل.
وقد أطلقت بعض الدول حملات لتقليل تجمع المياه الراكدة، كونها بيئة مثالية لتكاثر بعوض الإيديس. ودعت المجتمعات المحلية إلى المساهمة في هذه الجهود عبر مراقبة محيط منازلهم والعمل على التخلص من أية مصادر قد تجذب البعوض.
يشدّد خبراء الصحة على أهمية التعاون الدولي لتقوية آليات الرصد السريع لأي تفشي جديد وتبادل المعلومات بين الدول، خصوصاً في ظل سهولة انتقال الفيروسات بفعل حركة المسافرين الكبيرة.
على المستوى الفردي، ينصح الجميع بأخذ الحيطة والحذر أثناء السفر إلى المناطق الموبوءة، خاصة خلال فترات ارتفاع درجات الحرارة أو في مواسم انتشار البعوض.
ويأمل العلماء حالياً في تسريع تطوير اللقاحات والعلاجات للفيروس، وقد أُعلن عن تجارب سريرية جارية في بعض الدول، إلا أن النتائج النهائية لم تُعتمد بعد بشكل رسمي.
من الملفت أن الفيروس لا ينتقل بشكل مباشر من شخص إلى آخر، بل يعتمد فقط على البعوض كوسيط، الأمر الذي يعزز أهمية إجراءات مكافحة الحشرات كخط الدفاع الأول ضد التفشي.
وفي ظل استمرار التغيرات المناخية والنمو السكاني المتسارع في المناطق الحضرية، تزداد التوقعات باستمرار المخاطر المتعلقة بالأمراض المنقولة عبر الحشرات، ما يجعل نشر الوعي والإجراءات الوقائية ضرورة ملحة للجميع.