كثيرًا ما نرى صور مارك زوكربيرغ، مؤسس فيسبوك، أو جيف بيزوس، مؤسس أمازون، وهم يرتدون نفس النمط من الملابس كل يوم تقريبًا: زوكربيرغ بتيشيرت رمادي وبنطال جينز، وبيزوس غالبًا بقميص بسيط وسروال عادي. هذا السلوك ليس صدفةً أو مجرد كسل، بل هو استراتيجية مدروسة يستخدمها العديد من رواد الأعمال البارزين حول العالم. في عالم تتزايد فيه القرارات التي نواجهها يوميًا، يلجأ هؤلاء الناجحون إلى التبسيط، حتى في اختياراتهم الشخصية، لكي يحتفظوا بطاقتهم الذهنية لأمور أكثر أهمية.
العقل البشري يستهلك موارد هائلة عند اتخاذ القرار، حتى لو كان قرارًا بسيطًا مثل اختيار الملابس الصباحية. ويطلق علماء النفس على هذه الظاهرة اسم "إرهاق القرارات decision fatigue". مارك زوكربيرغ كشف في عدة مقابلات أنه يقوم بتقليل عدد القرارات غير الضرورية ليكرس جهده لأمور تؤثر مباشرة على مستقبل شركته ومجتمعه، ويشدد على أهمية الاحتفاظ بطاقة التركيز لما هو مصيري. الدراسات العلمية تؤكد أن الشخص العادي يتخذ حوالي 35,000 قرار يوميًا، بدءًا من أوقات الاستيقاظ حتى أدق تفاصيل الحياة اليومية. تقليل عدد تلك القرارات يسمح بالعناية بالقرارات الكبيرة والمصيرية دون استنزاف الموارد العقلية في أمور جانبية.
اقتصاد الوقت والتركيز: كيف يوفر الرواد 40% من طاقة أدمغتهم؟
تركيز الطاقة وعدم إهدارها يمكن أن يصنع الفارق بين النجاح والإرهاق، خصوصًا لدى المدراء التنفيذيين وصناع القرار. يعتمد زوكربيرغ وبيزوس وغيرهما من الرواد على قاعدة عملية للغاية: "احتفظ بطاقتك الذهنية لما لا يمكن الاستغناء عنه." وفقًا لدراسات منشورة من جامعات مثل ستانفورد وهارفارد، تبسيط القرارات الروتينية مثل الملابس والطعام يمكن أن يقلل استنزاف الطاقة الذهنية حتى 40%. هذا لا يظهر فقط في الملابس، بل كذلك في جدولة المهام، وتفويض القرارات الثانوية للموظفين، وحتى في تحسين أنظمة العمل الداخلية.
ما يقوم به زوكربيرغ أو بيزوس يُسمى عالميًا بـ "capsule wardrobe" أو خزانة الملابس الموحدة، وهي استراتيجية يعتمدها كثير من رجال وسيدات الأعمال مثل ستيف جوبز وحتى الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما. هذه الاستراتيجية تحمل عدة فوائد عملية إضافية، منها:
- توفير الوقت صباحًا وعدم الانشغال بمسائل غير هامة
- تقليل التوتر الناتج عن المقارنات الاجتماعية أو القلق بشأن المظهر
- خلق صورة ذهنية واضحة للعلامة الشخصية لدى الجمهور والموظفين
- تشجيع البساطة والتركيز على الجوهر بدلاً من التفاصيل السطحية
- تقليل الاستهلاك والحد من الإنفاق غير الضروري
تلك العادات أصبحت جزءًا من ثقافة النجاح للأشخاص المنشغلين والملتزمين بتحقيق أهداف كبرى.
الجانب النفسي والاجتماعي لاختيار الملابس الموحدة
على المستوى النفسي، اختيار نفس الملابس يوميًا يمنح الإحساس بالتحكم والتنظيم، حيث يقلل من تشتيت الانتباه ويُعزز من القدرة على إدارة الوقت بكفاءة. كما أن تبني هذه العادة ينعكس إيجابًا على صورة القائد أو رجل الأعمال، ويعطي انطباعًا بالثبات والجدية والمسؤولية في بيئة العمل. من الأمثلة اللافتة أيضاً أن هذه الفلسفة تنتقل أحياناً إلى من حولهم، حيث لوحظ أن بعض موظفي أمازون ومتابعي زوكربيرغ بدأوا باتباع نفس النمط، فينتج عن ذلك بيئة عمل مركزة ومتحررة من القشور.
كيف يمكنك الاستفادة من هذه الاستراتيجية في حياتك؟
لو لم تكن من أصحاب الشركات الكبرى أو القادة العالميين، فإن الفائدة من تبني عادة الملابس الموحدة أو تقليل القرارات اليومية يمكن أن تكون مذهلة أيضًا. ويمكنك تطبيق هذه الإستراتيجية بداية من تبسيط اختياراتك اليومية:
- خطط مسبقًا لملابسك الأسبوعية، أو خصص ألوان وأنماط موحدة سهلة الدمج
- ضع روتينًا صباحيًا ثابتًا يقلل عدد الخيارات أمامك
- ركز على اتخاذ أهم القرارات في الأوقات التي تكون فيها في ذروة طاقتك الذهنية
- مارس التفريغ الذهني يوميًا ودوّن خططك لتقليل التفكير الزائد
باختصار، تبسيط تفاصيل الحياة اليومية يمنحك طاقة وتركيزًا أكبر لتحقيق أهدافك وطموحاتك، إذ ليس اللباس الموحد مجرد مظهر خارجي، بل فلسفة حياة تأخذك نحو الإنتاجية والنجاح.